إستمع إلى الحكايات

رائحة القهوة

- إستمع إلى الحكاية من خلال الساوندكلاود

يعرف كل من في دمشق ما هي قهوة أبو سمرة ، فهى ذات مذاق خاص يأتيها من التوابل التي تضاف إليها كالهيل والمستكة وغيرها ، والبعض منها سري . إني أعيش في السويد منذ زمن طويل ، ومع ذلك ففي كل مرة أسافر أو يسافر أحد من أسرتي إلى دمشق كنا نأتي معنا بكيلوغرامات من قهوة أبو سمرة . كانت والدتي في الماضي تحضر معها ما يقرب من عشرين كيلوغراماً نتقاسمها سوياً . كنا نضع الأكياس في البراد لتجميدها حرصاً منا على الحفاظ على نكهة القهوة لمدة أطول . ثم نخرج أحد الأكياس في كل مرة ونذيبه ونشرب من قهوة أبو سمرة على مدار السنة .

كان ذلك قبل نشوب الحرب . أما الآن فلا أدري متى يمكنني إعادة ملء مخزني من القهوة . لذلك فقد قمت بالإحتفاظ بهذا الكيس الأخير . طبعاً هو فارغ من القهوة ولكن رائحة قهوة أبو سمرة الحقيقية لا تزال تفوح منه . وأنا أحفظه في البراد حتى يحتفظ بهذه الرائحة طويلاً .

يقال أن أبو سمرة قد افتتح فرعاً له في دبي ، وبذلك فهناك أمل أن نشرب من قهوته مجدداً عن قريب . ولكني أشك في أنها ستكون بمثل جودة القهوة التي تأتي من دمشق .

كريستينا ، 42 سنة ، من دمشق . وصلت إلى السويد في سنة 2002م .

أبسط الأشياء أهمها تصبح عندما

- إستمع إلى الحكاية من خلال الساوندكلاود

عندما تصل إلى بلاد الغربة بعد رحلة الهروب المحفوفة بالعديد من المخاطر ، تتغير جميع المعادلات وتصبح الكثير من الأشياء البسيطة والعادية ذات معنى ، لأنها ببساطة حلقة الوصل بين ذكرياتك ماضيك وحاضرك ، تتمسك بها وتخاف أن تخسرها لأنها رمز لوجودك السابق ولصيرورتك في بلاد الغربة ربما قد لا تعني أحد علبة كريم فارغة . أما أنا فالنظر إلى علبة الكريم يذكرني بالكثير من تفصيلات الحياة اليومية . عندما كنت أنهي واجباتي المنزلية كربة منزل وأتهيأ للإسترخاء والإهتمام بنفسي كإمرأة ، أرطب يداي متناسية تعبي كله

عند زيارة أمي لي في لبنان بعد مغادرة سوريا أعطتني هذه العلبة قائلة : هذه علبة كريم كاميل ، التي تفضليها . فرحت بها كثيرا واحتفظت بها . وتمسكت بها مع العلم أنني وفي كل مرحلة من مراحل اللجوء ، كنت أرمي الكثير من الأشياء ، ولكني احتفظت بهذة العلبة إلى أن وصلت معي إلى السويد وبقيت معي في محفظة مكياجي . عندما أرى لونها الأخضر أتذكر جزء من تفصيل حياتي . الحارة ، المتجر ، العملة السورية ، المكياج والتجميل البسيط ، التعب اليومي للواجبات المنزلية ، ونسيان كل هذه التعب بمسحة كريم من هذه العلبة

اليوم عندما افتح محفظة المكياج وتقع هذه العلبة أسرع وأحملها خوفاً عليها من الضياع . أتساءل لماذا هذا التمسك بعلبة فارغة ؟ أحيانا لا أعرف الجواب ، ولكنني أعرف أنني عندما انظر إليها أشعر بحزن وألم لأني قد تركت الشام والمخيم مرغمة ، وأصبحت هنا ، ببداية جديدة ، وهوية جديدة ، وعالم جديد ، وولادة جديدة ، وهم جديد ، وكريم جديد .

خزاما 45 عام ، من دمشق . وصلت إلى السويد فى عام 2014.

عن شعور الأمان المفقود

إستمع إلى الحكاية من خلال السوندكلاود -

منذ قدمت إلى السويد ولدي شعور بأن حياتي انقسمت لمرحلتين مختلفتين : الماضي (حياتي السابقة في سورية) والحاضر (حياتي الحالية في السويد) .

عندما أتذكر الماضي بسورية أتذكر أولاً طفولتي وشعور الأمان الذي كان يرافق تلك الفترة من حياتي . كم كبرت خلال هذه الحرب وكم ابتعدت عن ذاتي . ما أفتقده اليوم هو الإحساس بأن كل شيء سيكون على ما يرام ، تلك الطمأنينة التامة بأن والدي سيحل كل المشاكل بأفضل الطرق . اليوم شعور الأمان ذاك مفقود وأكثر ما أفتقده هو الإحساس بأن قدماي تسيران على أرض صلبة .

هذه الباربيات تمثل طفولتي ! كانت لعبة الباربي غير متوافرة في مدينتي وفي كل مرة كان والدي يسافر لمكان ما كنت أطلب منه أن يشتري لي باربي جديدة أو ثياب أو أكسسوارات للب��ربي ، ومع الوقت أصبحت المجموعة كبيرة : خمسة باربيات واثنين مستر كين (زوج الباربي) والكثير من الثياب والأثاث والأدوات المنزلية والطعام وكذلك بسكليت وكل ما يخص الباربي .

عندما كنت صغيرة كنت ألعب بالباربيات ولكن عندما كبرت قليلاً أصبحت أستخدمهن كعارضات أزياء لثياب وأكسسوارات من تصميمي . وفي إحدى المرات التي تحمست فيها لحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين قمت بقص الشعر الطويل لبعضهن .

كنت أعتني بهن كثيراً . وكنت حريصة على أن كل قطعة صغيرة تحفظ بمكانها المناسب . وعندما كبرت كانت كل البنات الصغيرات بعائلتي يطمحن للحصول على هذه الباربيات ، ولكني ببساطة لم أستطيع أن أعطيها لأحد لأن هذه الباربيات تعني الكثير بالنسبة لي وتمثل جزءاً كبيراً من ذكرياتي ، بينما بالنسبة لغيري هي مجرد ألعاب فقط .

لما جئنا للسويد لم نجلب معنا أي من أغراض منزلنا بسورية ولكن لاحقاً أرسل لنا جيراننا هناك بعض أغراضنا القيّمة . الشيء الوحيد الذي طلبته أنا . كان باربياتي . لقد أمضيت وقتاً طويلاً من طفولتي برفقتها ، حيث كنت وقتها أشعر بالأمان و كنت على ثقة تامة بأن القادم حتماً سيكون أفضل .

وداد ، 29 سنة ، من الحسكة . وصلت إلى السويد فى عام 2013م .

قدح معلولا

إستمع إلى الحكاية من خلال الساوندكلاود -

هذا الكوب لوالدتي ، اشترته خلال زيارتها إلى معلولا ، على اعتبار أنه ذكرى وبركة من المكان المقدس . كانت عائلتنا كبيرة وكنا ثمانية إخوة نعيش في القامشلي . أخواتي الكبار تزوجوا وأصبح لهم بيوتاً أخرى ، أما أنا فكنت منذ بداية طفولتي مشغولة أكثر بيسوع والكنيسة ومجتمعها . لذلك كنت أقضي أكثر وقتي فيها ، عندما صار عمري تسع سنوات ذهبت مع مجموعة من الراهبات إلى العراق لأنضم إلى الدير . طوال عمري كنت أحلم أن أصبح راهبة . وأخذت معي قدح معلولا كذكرى من منزلي . وبعد خمس سنوات مرضت أمي فجأة ، وكان واجبي أن أقف بجانبها ، لذلك عدت إلى بيتنا . توفيت أمي على أثر مرضها وبقي والدي وحيداً ، وكان لابد أن يبقى أحد بجانبه ويهتم به .

بعدها تزوجت وأنا في سن السادسة عشرة ، وانتقلت مع زوجي إلى لبنان فقد كان عمله هناك . وبعد أقل من سنة رُزقت بأول طفل . بعدها اندلعت حرب لبنان . كان ذلك فى عام 1975م وهربنا إلى بر الأمان في السويد .

كان قدح أمي من معلولا واحداً من الأشياء القليلة التي أخذتها معي . مرت السنين وكان هذا القدح ليس فقط بركة في بيتي ، بل كان أيضا يذكرني بأمي في كل لحظة . كانت أمي مثل الكريستال : مستقيمة وبسيطة ومنفتحة على المسيح . وكانت أيضا متواضعة جداً واجتماعية ومحبوبة من الجميع .

لم استخدم القدح أبداً . ولكن جعلت له مكاناً ثابتاً في خزانتي بالحفظ والصون . أنظر إليه وأتذكر والدتي .

ماريا ، 64 سنة ، من القامشلي . وصلت إلى السويد في سنة 1975م .

الحب والعدس الاخضر

إستمع إلى الحكاية من خلال الساوندكلاود -

هذه الرسالة أرسلتها لي زوجتي عندما كنت أعمل في لبنان ، بينما كانت هي تعيش في منزلنا في إدلب وتنتظر مولد طفلنا الأول . كان هذا قبل زمن الجوالات الرخيصة ، ولم يكن لدي لا هاتف أرضي ولا إنترنت في بيتي في لبنان . واعتدت أن أستعير هاتف وأتصل بها مرة كل ثلاثة أسابيع . ومع اقتراب موعد الولادة صارت قلقة ، فبعثت لي رسالة على غير عادتها ، كانت تلك الرسالة من أروع ما قرأت .

في بداية الرسالة سألتني عن حالي ، وحكت لي عن القلق الذي يراودها ، وأنه لم يتبق سوى أسابيع وأنها مشتاقة لسماع صوتي . ثم ترجتني أن أتصل بها . وحكت لي أيضاً أنه موسم العدس الأخضر عندنا في إدلب وأنها قد حصدت حفنة منه لي ووضعتها في المظروف ومعها أيضاً شريط كاسيت به كل الأغاني العزيزة علينا . لقد احتفظت بهذا الشريط عمراً ولكني للأسف أضعته خلال مغادرتى إلى السويد .

ولكن الرسالة فلا تزال معي . وقد قرأتها وأعدت قراءتها مرات لا تعد ولا تحصى . لم تأت زوجتي إلى السويد حتى الآن ، ولكن الرسالة هي الرابط بيننا ، فهي وأولادنا أغلى شيء عندي . ومن خلال هذه الرسالة يمكنني أن أغوص في ذاكرتي وأعيش الأوقات التي كنا فيها سوياً . لذا أحمل الرسالة معي دائماً مطوية وفي الأمان داخل محفظتي . إنها تذكرتي للعودة إلى الماضي وإلى زمن كنا فيه أكثر سعادة .

عمر ، 32 سنة ، من إدلب . وصلت إلى السويد في سنة 2014م .